ابن عجيبة
595
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما قرر أمر النبوة ، وبيّن الطريق الموصل إلى العلم بها ، وأوعد من أنكرها ، خاطب الناس بالدعوة إليها فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 170 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) قلت : ( فآمنوا خيرا لكم ) ، و ( انتهوا خيرا لكم ) : قال سيبويه : هو منصوب بفعل مضمر ، تقديره : وائتوا خيرا لكم ، وقال الخليل : منصوب بآمنوا وبانتهوا على المعنى . أي : اقصدوا . وقال الفراء : صفة لمصدر ، أي : آمنوا إيمانا خيرا لكم . وقال بعض الكوفيين : هو خبر كان المحذوفة ، وتقديره : ليكن الإيمان خيرا لكم . قلت : وهو أظهر من جهة المعنى ، وإن منعه البصريون ، قالوا : لأنّ ( كان ) لا تحذف مع اسمها إلا في مواضع مخصوصة ، قال ابن مالك : ويحذوفونها ويبقون الخبر * وبعد إن ، ولو ، كثيرا ذا اشتهر ولعل هذا الموضع أتى على غير المشهور تنبيها على الجواز . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فَآمِنُوا به يكن خَيْراً لَكُمْ مما أنتم فيه من الضلال ، وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما تركبتا منه ، ملكا وخلقا وعبيدا ، فهو غنى عنكم ، لا يتضرر بكفركم ، كما لا ينتفع بإيمانكم ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأحوالكم ، حَكِيماً فيما دبر لكم . الإشارة : الذي جاء به الرسول - عليه الصلاة والسلام - هو إتقان مقام الإسلام ، وتصحيح مقام الإيمان ، الذي من أركانه : الإيمان بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ، وتحقيق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان ، ولا يكمل هذا إلا بصحبة أهل العرفان ، الذين صححوا مقام الفناء ، وخرجوا إلى البقاء ، خاضوا بحار التوحيد ، وانفردوا بأسرار التفريد ، ورسخ فيهم مقام الرضى والتسليم ، فتلقوا المقادير كلها بقلب سليم ، فمن لم يصحبهم ويتأدب بآدابهم بقي إيمانه ناقصا ، وحقه العتاب ، فكأن الحق - تعالى - يقول على لسان الإشارة : قد جاءكم وليي ، وهو خليفة رسولي ، فآمنوا بخصوصيته ، وأذعنوا لأمره وتربيته ، يكن خيرا لكم مما أنتم فيه من المساوئ والأمراض ، لئلا تلقوني بقلب سقيم ، وبالله التوفيق .